صفحة من مخطوط يوناني قديم

صفحة من مخطوط يوناني قديم


لم يطل الزمن حتى أصبحت أنطاكية مركزاً فكرياً ولاهوتياً مهماً في ذلك العصر. ولقد تميزت
بخطها اللاهوتي الواضح الذي شدد على المفهوم الحرفي للكتاب المقدس ، بعكس مدرسة الإسكندرية التي شدّدت على المفهوم الرمزي له . ومن الذين يذكرهم التاريخ بإكبار، بعد القديس
إغناطيوس ، القديس(تيوفيلوس)الذي عرف بدفاعه الشديد عن العقيدة في وجه المناهضين لها،
و(بولس السموساطي)الذي أصبح أسقفاً للمدينة بعد سنة 260 مسيحية ، والذي يعتبر من أهم
لاهوتيّي عصره . كذلك يذكر تاريخ القديس (لوسيانوس) الذي استشهد سنة 312 أيام حكم (ديوكليسيانوس) الإمبراطور،والذي يعتبر من أهم المفسرين والشرّاح للكتاب المقدس إذ وضع أسس الطريقة النقدية في شرحه للسبعينيّة وللعهد الجديد،تلك الطريقة التي تميزت بها مدرسة أنطاكية في ما بعد. أما نهاية القرن الرابع و بداية القرن الخامس فقد شهدت المرحلة الأكثر ازدهاراً في تاريخها إذ لمع فيها اسم(ديودورس) الذي جمع حوله عدداً كبيراً من التلامذة في دير كان في الوقت نفسه مركزاً علمياً، ومنهم (تيودورس الموبسوسطي) و (يوحنا الذهبي الفم) و (وتيودوريطس القورشي) . فمدرسة أنطاكية هي ، قبل كل شيء ، مدرسة تفسيرو شرح للكتاب المقدس . و(ديودورس)، الذي أصبح في ما بعد أسقفاً لمدينة(طرسوس) سنة394 مسيحية،قد فسر وشرح وعلّق على العهد القديم والعهد الجديد
وأعمال الرسل و رسالة بولس إلى الرومانيين ورسالة القديس يوحنا الأولى . أما(يوحنا الذهبيالفم)
الذي كان شماساً وكاهناً في أنطاكية قبل أن يصبح رئيس أساقفة القسطنطينية سنة 397 مسيحية ،
فإنه تناول، في مواعظه وشروحاته وتعليقاته،العهد القديم والمزامير و نبؤة أشعيا و إنجيل متى و
لوقا و يوحنا و أعمال الرسل، وخصوصاً رسائل القديس بولس الذي يعتبر مرجعاً مهماً في شرحها
والتعليق عليها.وأما(تيودورس) الذي أصبح أسقف سموساط في كيليكيا وتوفي سنة 428، فقد وصلتنا منه شروحات و تعليقات على سفر المزامير، وإنجيل القديس يوحنا ، ورسائل القديس بولس.
ولقد اعتبره الشرق المفسّر و الشارح دون منازع.وأخيراً يذكر التاريخ (تيودوريطس) أسقف قورش الذي توفي حوالي سنة 466 مسيحية،والذي يعتبر لاهوتياً لامعاً،وتاريخياً مرجعاً،ومدافعاً عن العقيدة،
وشارحاً ومفسراً لسفر المزامير وسفر نشيد الأناشيد والأنبياء ورسائل القديس بولس.
جميع هؤلاء أخذوا موقفاً واضحاً ضدّ التفسير الرمزي لمدرسة الإسكندرية التي تمثّلت، بنوع خاص،
برئيسها (اوريجانوس) ولقد اعتبروا أن هذا التفسير الذي يفتّش عن المعنى الروحي وحسب هو جنون
وحماقة، لا أكثر ولا أقل، خصوصاً وأن النصّ نفسه يحمل أبعاداً تاريخّية يجب التوقّف عندها0
وحتى القديس والبطريرك (اوسطاطيوس) الذي كان يعتبر من أقرب المقّربين إلى مدرسة(اوريجانوس)
قد انتقد المدرسة الرمزية التي تقوّض معنى الكتاب المقدس بإلغائها التاريخ في سبيل المعنى الروحي
الأعمق0 لذلك شدّد الجميع على المعنى الحرفي للنص0 وهذه أمثلة على ذلك:
أولاً: قصة رفقة واسحق ويعقوب وعيسو في الفصل السابع والعشرين من سفر التكوين: فبينما نرى
القديس (اغوسطينوس) الملتزم بالتقليد، والذي لا ينكر حقيقة كذب رفقة على اسحق من الوجهة التاريخية،إنما يعطي لهذه القصّة تفسيراً روحياً ويعتبرها سرّاً أو رمزاً لتجسّد المسيح الذي سيحمل
خطايانا كما حمل يعقوب لباس عيسو، فإذا بالقديس (يوحناالذهبي الفم)يقبل، بدون صعوبة،قصّة سفر
التكوين ويشرح حبّ رفقة الوالدي ليعقوب، عاذراً إياها، معتبراً أن كذبتها شرّ، غير أن الله قبل بهذه
الكذبة لينتج عن الشرّ خير0 إن ذلك هو، في نظره، التفسير التاريخي والواقعي والنفسي والأدبي
لقصة رفقة مع زوجها وإبنيها0
ثانياً: المزامير:(تيودورس المبسوسطي) يعتبر أن المزامير المسيحانية هي أربعة وحسب:الثاني، والثامن، والرابع والأربعون، والمائة وتسعة0 هذه المزامير وحدها تطبّق على المسيح في العهد الجديد فقط0 أما المزمور الحادي والعشرون الذي يقول:(إيلي، إيلي، لما شبقتني)، والذي نطق به المسيح من على الصليب، فليس سوى تطبيق للنص على حالة معيّنة0
ثالثاً:نشيد الأناشيد:(تيودورس) يرفض التفسير الروحي لهذا النشيد ويأخذه بمعناه الحرفي كنشيد حبّ
إنساني ألّفه سليمان الحكيم بمناسبة زواجه من أميرة مصرية0
وهكذا، فإن شرّاح ومفسّري أنطاكية رفضوا كلّ تفسير رمزي لأنه يتنافى والحقيقة التاريخيّة0 ولقد
اعتبروا أن كلّ ما ورد في العهد القديم ليس سوى إعلان لما سيكون في العهد الجديد0 لذلك نرى عند
الأنطاكيين تطبيقاً للصور التي وردت في العهد القديم على المسيح والكنيسة، مثل: تضحية اسحق، ويوسف المباع من إخوته، وعبور البحر الأحمر، والمنّ والسلوى، والحيّة البرونزية0 وباختصار،
فإن مدرسة أنطاكية، بدل أن تعطي معنىً روحياً لكلّ ما ورد في الكتاب المقدس، فإنها كانت تربط
بين حدث وحدث بالمعنى النبوي للكلمة0 وهذا ما تتّبعه المدارس التفسيرية الحديثة للعهد القديم وللعهد الجديد على حّد سواء0
أمّا بالنسبة إلى المسيح فإن مدرسة أنطاكية كانت تؤكّد على حقيقته الإنسانية من منطلق تاريخ
الخلاص0 ولقد اتهم البعض لاهوتيّي أنطاكية، وبنوع خاص (ديودورس)و(تيودورس)،على أنهم
قسموا المسيح فجعلوا منه المسيح ابن مريم والمسيح ابن الله0 كما اتّهموا بأنهم رفضوا أن تكون
العذراء أم الله، فهي، بالنسبة إليهم، ليست سوى أم المسيح الإنسان0 وعلى هذا الأساس حرم
(نسطوريوس)، الكاهن الأنطاكي، ورئيس أساقفة القسطنطينية سنة 428،من مجمع أفسس سنة 431
مسيحية، على أنه امتداد لتعليم مدرسة أنطاكية0 ولكن الحقيقة هي عكس ذلك بالنسبة إلى السابقين،
والدراسات اللاهوتية أثبتت أن الأنطاكيين الذين ذكرنا لم يكونوا جميعاً بخط (نسطوريوس) نفسه0
ورغم محدودية شرحها ومفهومها حول الطبيعة الشخصانية للمسيح، فإن مدرسة أنطاكية قد أثّرت
كثيراً على مجمع خلقيدونية وتوجهاته سنة 451 مسيحية، الذي حدّد طبيعتي المسيح الإلهية والإنسانية0 ولقد لعبت دوراً تاريخياً مهماً في تثبيت العقيدة المسيحية الأرثوذكسية الكاثوليكية0
وهكذا بقيت أنطاكية صاحبة المدرسة اللاهوتية التي أعطت للكنيسة جمعاء عظماء أمثال (ديودورس)

(تيودورس) و(يوحنا الذهبي الفم)،بعد إغناطيوس الأنطاكي0
(موسوعة عظماء المسيحية في التاريخ للأب جورج رحمه)

نشرت بتاريخ: السبت 13 مارس 2010 @ 12:18 ص