تمّ حظر الاستنساخ شرعياً في بلدنا و الحمد للّه ! الآن على جدول الأعمال هو الموت الرحيم .لا يزال الاتحاد الأوروبي يبذل الجهود لتشكيل موقف مشترك حيال هذه المسألة لكنّ المناقشات حول هذه المسألة قد بدأت منذ فترة طويلة . إنّ القتل الرحيم قد شُرٍّع في بعض دول العالم المنفصلة عن الاتحاد الأوروبي و يتمّ فيها بشكلٍ رسمي . في برلماننا تمّ عرض نصّ يقترح بتشريع القتل الرحيم في قانون الصحة العامة . إنّ هذا النصّ قد تسبب في مناقشات حادّة في صفوف قاعة البرلمان و الّتي أشعلها الإعلام البلغاري .
ما هي الحجج الرئيسية المقدّمة من قبل أنصار القتل الرحيم المشروع ؟
1- إنّ الإنسان له الحقّ أن يختار بنفسه متى و كيف سيموت
2- إنّ الإنسان له الحقّ كما في الحياة الكريمة كذلك في الموت الكريم اللائق
3- إنّ القتل الرحيم هو وسيلة لوضع حدٍ لمعاناة لا معنى لها
4- رحمةٌ مسيحيةٌ هي مساعدة فاقدي الإيمان و الرجاء و الّذين يعانون من التردد أو التخلخل الأخلاقي في إنهاء معاناتهم . لكن هل الموت يضع حدّاً للمعاناة ؟ و إلى أي مدى يستطيع الإنسان عندما يكون مريضاً جدّاً أو يعاني كثيراً أن يقرّر مسألة موته أو حياته ؟ هل هو حرّ حقّاً عندها ؟ هل هو سيد نفسه و عقله و مشيئته عندما تكون قلة الإيمان و اليأس و الجبن أو الطموح مستحوذةً عليه ؟ هل المعاناة هي السبب الجوهري أن يتمنى الإنسان الموت أم السبب هو الشعور بالوحدة و غياب الرجاء و المحبة بين الناس؟ إنّ الدراسات الحديثة تُظهر أن الإنسان على الأرجح يفقد حافزه للحياة ومن هنا قدرته على تحمّل آلامها و أعباءها لأنّه لا يجد معنى لذلك .و بالعكس : إنّ الإحساس أو الإدراك بهذا السّبب يجعل من أشياء كثيرة و حتى من كلّ شيىء سهلاً و محتملاً ، إيجابياً و بناءاً. إنّ المسيحية ما عدا الأمور الأخرى الّتي تتصف بها هي أيضاً وحي لمعنى الحياة البشرية . إنّ الإيمان المسيحي يلبس الفقر و المحن و الموت في حلّة معنى الحياة المضيئة و يضفي عليهم صفة أوصبغة خلاصية .

إنّ مجمل النظام المسيحي بمفهومه لمعنى الحياة الإنسانية و المعاناة و الموت يجعل من التحدي الإرادي للموت شيئاً غير مقبول . إنّ الإنسان هو خليقة اللّه و إنّ الحياة قد أُعطيت له من قبل اللّه و هو الّذي يحفظه و له فقط الحقّ في أخذ حياة الإنسان ” لأن لا أحد يعيش لذاته و لا يموت لذاته لأنّنا إن عشنا فللرب نعيش و إن متنا فللرب نموت فإن عشنا و إن متنا فللرب نحن” ( رومية : 14: 7- 8 ) إنّ اللّه بصفته كلي القدرة و شامل الرؤية و مبدع أو مخطط محب يعرف أكثر و أفضل منا في أيّة لحظة و بأيّة طريقة ستنتقل الروح إلى الآخرة بانتظار الحياة الأبدية الّتي خُلق من أجلها الإنسان و بانتظار دوره الفريد من نوعه و الّذي هو المشاركة في بناء عائلة اللّه .
لماذا يسمح اللّه بالمعاناة و ما معناها و فائدتها ؟ لنبدأ جوابنا بأنّ المعاناة لا تأتي من اللّه . ليس اللّه هو الّذي يرسلها ليعاقبنا أو لأسباب أخرى بل إنّنا نعاني لأنّنا مصابون بمرض الخطيئة الّذي يجعلنا نمرض روحياً ( انظر يعقوب : 1 : 13-15 ) و الطريقة الوحيدة لنشفى روحياً هي عن طريق رفض الخطيئة بالتوبة إنّ المعاناة تجعل الإنسان متواضعاً و تخفف من قسوة قلبه و تظهر له مقدار ضعفه و حاجته للّه و الآخرين .

إنّ المعاناة و معاناة الموت بشكل خاص تطهّر الإنسان من خطاياه حيث أنّها تجعله أكثر حكمة و تقوده إلى الاستقامة و التوبة و بذلك تهيؤه للحياة الأبدية . هناك طريقتان للتعامل مع معاناة الموت : الأولى هي أن ننظر في أنفسنا و نبحث عن جواب للسؤال التالي :” يا ربّ ما الّذي يبقني هنا ما الّذي يمنعني من العودة إليك بسلام هل هو عداء لم يُحل بعد أم ارتباطي بالأمور الأرضية أم خوفٌ نتيجة قلة إيمانٍ أم خطيئة لم تُغفر بعد أم هي الكبرياء و الغضب و الحقارة إلخ …؟” و الطريقة الأخرى هي طريقة اليأس و الكبرياء و الحقارة إنّ الشيطان لديه طرق مختلفة ليهلك بها نفس الإنسان عند ساعة موتها حيث أنّه يقودها للانتحار . إنّ الشيطانً سيوسوس للمتكبّر: كن قويّاً كن سيّد نفسك ارحل بكرامة من هذه الحياة و للمغرور سيوسوس : لا تدع المرض يشوّهك و أن يصل بك إلى حالة بائسة . و أما لإنسان آخر فسيوهمه : لماذا عليك أن تكون عالاً على أقربائك إن كنت تحبّهم فلم لا تحرّرهم من هذا العبء و أما إنسان آخر فسيشكّ باللّه و برحمته و فائق قدرته و بوجوده وسيستحوذه الخوف و الجبن ….

إنّ تجارب الموت هذه تصيب نقطة ضعف الإنسان بدون أخطاء و بشكل دائم و هو بدوره يبدي موافقته لها إن لم يكن قد اعتاد في حياته أن يميّزها و يرفضها إنّ الكنيسة المقدسة قد رتّبت صلاةً خاصةً بالنّاس الّذين على فراش الموت و توصينا بصلاة حارّة و الاعتراف و المناولة في حالة المرضى المصابين بمرض عضال في هذه الصلاة يطلب الكاهن من اللّه أن يأمر ” بأن يحرّر من سلاسل الشهوات الجسدية الخاطئة ” و أن يقبل اللّه روحه بسلام و أن يريحها مع قدّيسيه في منازله الأبدية .

في الحالات التي يبدأ فيها المريض على فراش الموت يفقد ذاكرته لكنّه يواصل معاناته يتوجّب على أقربائه أن يهتمّوا و يدعوا الكاهن ليمسحه بالزيت و يصلي له و أن يقرأوا على فراش المريض قراءات التوبة و أن يصلّوا و يعطوا صدقة للناس لكي تُغفر خطايا الإنسان المعاني و إنّه لجنون و ليس برحمة إن ” ساعدوه” بحيث أنّهم قد سرّعوا نهايته بدون أن يكون قد تصالح مع اللّه و ضميره و بذلك يحكمون على نفسه بالعذاب الأبدي بجهدهم أن ينقذوه من العذاب الآني . ملاحظة : إنّ هذا المقال تُرجم من الموقع البلغاري أبواب الأرثوذكسية و لحجمه الكبير قسّمته لكم إلى جزأين يتبع……….
فيكتور درّه 25\ 8 \ 2010

نشرت بتاريخ: السبت 28 أغسطس 2010 @ 12:01 م