الاب انطونيوس مقار ابراهيم
راعي الاقباط الكاثوليك في لبنان
كنيسة القديس انطونيوس الكبير
جديدة المتن
عيد الميلاد
يناير (كانون الثاني )2012
من أسمى القيم التي يتوق إليها الانسان إينما كان، عيشُ الحرية وإحلال الحق “تعرفون الحق والحق يحرّركم”
في ميلاد المسيح تجلى المعنى الحقيقي للحرية من سلطان الظلمة وسلطان الموت والاستعباد للشيطان ” روح الرب علىّ فمسحنى لأبشر الفقراء والمساكين أهب النظر للعميان وأطلق المأسورين أحراراً.
لقد ظهرت نعمة الله المخلِّصة لجميع الناس
( تيطُس2: 12 )
بارك يا أب !
لقد ظهر المسيح في هذا اليوم للعالم وأناره . إنَّهُ في هذا اليوم أخذ على نفسه خطايانا دائساً على الشيطان . لقد أشعت في هذا اليوم نعمة الله على جميع الناس . يا لها من معجزةٍ عظيمةٍ ومجيدةٍ ! إنَّ المسيح يجتهد وأمَّا نحن فنكلَّل . إنَّ المسيح يسحق رأس الحية في الماء وأمَّا نحن فنتقبَّل الكرامة . إنَّ المسيح يعتمد وأمَّا نحن فنغتسل من خطايانا . إنَّه يتقبَّل حمامةً من السماوات وأمَّا نحن فنحصل على مغفرةً لخطايانا . إنَّه قد شوهدَ له من قبل الله على أنَّه ” ابنه الحبيب ” وأمَّا نحن فنصير أبناء لله . اليوم تفرح الطبيعة المائية كلَّها جميع الأنهُر والبحار من أجل أنَّها قد تقدَّست من يسوع المسيح النور السماوي . اذهبوا الآن بأذهانكم إلى الأردن وانظروا كيف أنَّ المسيح يعتمد هناك مطهِّراً الناس . وكيف أنَّه قد ظهر بشكل عجيبٍ كما سبق وتنبأ داود النبي
بارك يا أب !
أيُّها المسيحيون الصالحون ! إنَّنا اليوم نصوم شاكرين الله شكراً جزيلاً من أجل يوم الغد الّذي هو سبب خلاصنا لأنَّهُ في هذا اليوم قد أغرق المسيح خطيئتنا القديمة في نهر الأردن وخلَّصنا من العبوديَّة الشيطانيَّة . وإنَّنا نصلّي اليوم لله تائبين لكي يغفر لنا خطايانا الحاليَّة الّتي قُمنا بها من بعدِ المعموديَّة سواءٌ بالسكر أو بالكذب أو بالسرقة وأفعالٍ أخرى شريرة . لأنَّنا سوف نعطي جواباً عن كلِّ خطايانا أمام الله في يوم الدينونة ، حينما لن يستطيع أحدٌ مساعدةَ أحدٍ بل كلُّ واحدٍ منَّا إمَّا سيتمجَّد وإمَّا سيخزى بحسب أعماله . ولذلك علينا أن نتوب ونعترف بقلب طاهر بخطايانا .
” هاءنذا أبشِّرُكم بفرحٍ عظيم ….لأنَّه قد وُلِدَ لكم اليوم مخلِّصٌ.”
( لوقا2: 10-11 )
بارك يا أب !
أيُّها المسيحيون الصالحون ! اذهبوا الآن منقادين بأجنحة ذهنكم الخفيفة محلِّقين فوق مغارة بيت لحم لكي تسمعوا ما الّذي يقوله رئيس الملائكة جبرائيل لرعيان بيت لحم . إنَّه يقول لهم بوضوح : ها إني أبشِّركم بفرحٍ عظيم ، الّذي سيُفرِحُ العالم أجمع . ها أنَّه قد طرد هذا الفرح سواد الظلمة القاتلة المميتة . ها أنَّه قد وُطِئَت مملكة الشيطان . ها أنَّ الجحيم يحرِّر جميع الأنفس الّتي كان قد ابتلعها . ها أنَّ الفردوس قد فُتِحَ اليوم لأنَّهُ قد وُلِدَ اليوم مشير الملائكة العظيم والرئيس القوي للدهر الآتي
تُعدُّ ولادة اللوغوس ( الكلمة ) الإلهي أعني به ربُّنا يسوع المسيح ” بالجسد ” من أهم الأحداث في تاريخ البشرية . وبحسب قول القدِّيس يوحنَّا الذهبي الفم يُعدُّ هذا الحدث ” صلباً ” ومحوراً لجميع الأعياد الكنسيَّة . لأنَّه بدون الميلاد فإنَّه ما كان ليحدث الظهور الإلهي ولم يكن ليحدث التجلِّي ولا الصلب ولا القيامة والصعود . إنَّه بدون الميلاد يستحيل أن تكون القيامة وأمَّا بدون القيامة فلا معنى للتجسُّد الإلهي . إنَّ جميع أحداث التدبير الإلهي المُعبَّر عنها في الأعياد السيّديَّة هي متَّصلَّة بعضها ببعضٍ اتصالاً وثيقاً . إنَّ هذه الأعياد بحدِّ ذاتها عبارةٌ عن كلٍّ موحَّدٍ وإن كانت الكنيسة قد قسَّمتها بعضها عن بعضٍ فإنَّ هذا التقسيم هو تقسيمٌ آنيٌّ لكي يتمكَّن جميع أعضاءها من أن يتوَّغلوا في عمقِ كلِّ واحدٍ من هذه الأعياد ويفتكروا ويشعروا به ويعيشوه بين بعضهم البعض .
إنَّ الأرثوذكسية لا تعني بأن أقرَّ بأنَّني أعرف الصواب وأمَّا أنت فلا تفعل الصواب . إنَّ الأرثوذكسيَّة تعني أن نتواضع ونقول :” ما الّذي يجب أن يتغيَّر ؟ ما الّذي يجب أن يتمَّ إصلاحه في حياتنا ؟” .
إنَّنا نتحدَّث عن بايسيوس الشيخ والشيوخ الآخرين ونقوم باقتباس عبارات قيلت من قبلهم ونقوم بنقطها بأفواهنا ونخفي بها آراءنا الشخصيَّة . عندما قمت بزيارة قبل سنواتٍ للجبل المقدَّس كان هنالك كاهناً متوحداً وقد كان تابعاً للشيخ بايسيوس الآثوسي وكان يقرأً صلاة الحل لشيخه لأنَّ الشيخ بايسيوس ذاته لم يكن كاهناً وإذا كان لديه أيَّة أفكارٍ كان يصرّح بها لتلميذه فقال لي الكاهن المتوحد :
إنَّ الأرثوذكسيَّةَ لا تعني رفض المادة ولا تجعلنا نظنُّ بأنَّنا أناسٌ مختلفون ذوي تصرُّفاتٍ وفهمٍ غريبٍ للحياة بكوننا ( في هذه الحالة ) أناساً مصطنعين الّذين لا يعرفون بأنَّهم أرثوذكسيون . لقد جذبت انتباهي أصالة القدِّيسين الّذين كانوا غايةً في الأرثوذكسيَّة ولكنَّهم مع ذلك كانوا غايةً في التواضع ولم يكونوا يدَّعون القدَّاسة لأنفسهم . هذه هي الأرثوذكسيَّة ألا تدَّعي بأنَّك شيءٌ أكثرَ ممَّا أنت عليه . الأرثوذكسي هو من كان إنساناً حقيقياً صريحاً . لقد طُلِب ذات مرَّةٍ من رجلٍ قدِّيسٍ : ” قل لنا شيئاً حول الحياة الروحيَّة ! ” فأجاب القدِّيس : ” يا إخوتي لا أعرف ما الّذي أخبركم إياه عن الحياة الروحيَّة .

تتمة :
إنَّك لو أحببت الأرثوذكسيَّة – بالرغم من كونك شاباً – فإنَّك تصبح كاهناً وتسرُّ بذلك!
سألني رجلٌ ذات مرَّةٍ :
- ولكن كيف كانت لديك الجرأة على أن تصبح كاهناً وتحرم نفسك من كلِّ تلك الأشياء ؟
- إنَّني أستلذُّ الآن بتلك الأشياء الّتي تقول بأنَّني قد حرمت نفسي منها !
لأنَّك إذا أحببت الأرثوذكسيَّة فإنَّك تقوم بتلك الأمور الّتي يسميِّها الآخرون بالتضحيات وترى في الوقت ذاته بأنَّ كلَّ ذلك هو لا شيءٌ أعني أنَّها أسهل الأمور الّتي بإمكانك القيام بها والّتي لا تتعبك في الوقت ذاته . في حين أنَّ الآخرين يصابون بالدوار لمجرَّد تفكيرهم بها حيث أنَّه لا خبرةَ لهم بها . ولذلك فإنَّ الأرثوذكسيَّة لن تطلب منه شيئاً ليس قادراً على تنفيذه بل ستطلب منه
باسم الآبِ والابنِ والروحِ القُدُس الإله الواحد آمين !
يروي التقليد القديم بأنَّ الشيخين الطاعنين في الشيخوخة يواكيم وحنَّة قد كرَّسا ابنتهما لله منذ طفولتها ونحن اليوم نُعيِّدُ لتهيئة هذا الوعاء الإلهي العظيم – سيدتنا والدة الإله الفائقة القداسة . حينما أحضرها والديها إلى الهيكل ربَّما كان من العسير عليهما أن يقتنعا بفكرة أنَّ طفلتهما الصغيرة ستفارقهما وستفارق بيت أهلها ليتمَّ تكريسها لله لم تكن مريم بعد تلك اللحظة ملك والديها بالجسد بل كُرِّست بكليَّتها للرَّبِّ . كما أنَّه في الوقت عينه كان قلب والديها مفعماً بفرحٍ كان يطغي على شعور الفرح الأبوي لديهما حيث أنَّهما تمكنا من الوفاء بالوعد الّذي قطعاه أمام الله .
(( وأمّا من جهتي فحاشا لي أن افتخر إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح …… ))
( غلاطية 6 : 14 )
ذكر العرب أن النصارى كانوا يزيّنون هياكلهم بالصليب تنويهاً بموت السيد المسيح مصلوباً . وقد تكرّر ذكره في الشعر وصرّحوا بعبادته . ونبين أدناه ما قاله شعراء العرب في ذكر الصليب في شتّى الظروف :
1 ـ أقسم عُدَيّ بن زيد من شعراء الجاهلية النصارى فقال :
عند اليوم الذي ندعوه حياة, سيقول لنا الله : ” يا فلاّح ماذا زرعت في النفوس ؟ ويا عامل ماذا أنميت ؟ وياحاصد ماذا حصدت ؟ ويا رسول كم نفوس هديت ؟ وأنت أيتها النفس التي أنرتك , كم نفوس أنرت في بيتك ؟ وياغني كم فقراء ساعدت ؟ وياقوي أي نقص أزلته وأي قوة وهبت ؟ وأنت أيها السعيد كم دموع نشّفت وكم أحزان لطفّت ؟ وياعبد كم أنتجت من كدّك ؟ ” ويحتمل أن تقول حينئذ : ” ربي وإلهي لقد كنت من الصغر بحيث أني كنت كحبة رمل لا قيمة لها , ونسمة لا يشعر بها , وكلمة ضعيفة تكاد لا تكون مسموعة فماذا كنت أستطيع عمله للعقول والقلوب والنفوس ؟ ” والرب سيرد عليك قائلاً :
هل رأيتم أيُّها الإخوة المسيحيون كيف آمن الأعميان بالمسيح وتبعوه ؟ هكذا يجب علينا أن نؤمن به ونعمل بحسب وصاياه . إذ أنَّ حياتنا تنقضي وساعة موتنا تقترب ولذلك فلنجهِّز أنفسنا بالأعمال الصالحة ريثما نحن موجودون في هذه الدنيا . لأنَّه هناك ( أي في الحياة الثانية ) لا توجد توبةٌ ولا خلاصٌ إن لم نكن قد كسبناه هنا ( أي في هذه الحياة ). لأنَّ الله يقبل منَّا هنا دموعاً وتوبةً أيضاً حينما تكون نابعتان من قلبٍ نقيٍّ ومتخشِّع ويخلِّصنا . وأمَّا هناك حينما تحلُّ ساعة الدينونة المرعبة فلا يقبل منا لا طلباتٍ ولا يظهر لنا الرحمة حتَّى وإن سكبنا أنهاراً من الدموع فلن تنفعنا بشيءٍ إذا لم نكن قد سلكنا بما يتَّفق مع وصايا الله ولم نكن قد أصغينا لمشيئته . هذا هو الأوان أيُّها الإخوة لكي نتعب ونكدَّ في زراعة الفضائل هنا بحسب قدرتنا لكي نحصد هناك راحةً لنفوسنا .
عندما أضيَّعُ شيئاً ما فإنَّني أقوم بتلاوة صلاة البراكليسي للقدِّيس فانوريوس أو بعبارةٍ أخرى عندما أرغب في إيجاد أيَّ شيءٍ على سبيل المثال محاولتي إيجاد مكانٍ أُوقف فيه سيارتي فإنَّ هذا القدِّيس يصنع المعجزات . ولربُّما قال أحدهم بأنَّ البحث عن الأغراض المختلفة بهذه الطريقة هو عمليٌّ للغاية ، ولكنَّك إذا أعرت انتباهك لكلمات صلاة البراكليسي فإنَّك لن تجد فيها شيئاً يختصُّ بهذا الموضوع . لا يجري الحديث في هذه الكلمات حول أن يجد لك القدِّيس أغراضك المفقودة بل يوجد فيها الكثير من الطلبات الروحيَّة والّذي يجعلك تصلِّي لله وكأنَّك قد نسيت مشكلتك . كما ويُقال في إحدى الطروباريات :” أيُّها القدِّيس فانوريوس كن لي معيناً أنا الّذي ضللت في بدعة كلِّ عصيانٍ .” إنَّ ناظم التسابيح يقرُّ موافقاً على أنَّه حتى ولو كنت أرثوذكسياً
عظة في الأحد السادس بعد العنصرة ( متَّى9: 1-8 ) :
لدى قراءتنا للنصوص الإنجيليَّة الّتي تروي كيف أنَّ المسيح قد أقام مائتاً أو شفى مريضاً ذا علَّةٍ جسديَّةٍ فإنَّنا نادراً ما نفتكر حول ما الّذي يعنيه جسم الإنسان بالنسبة إلى الله الّذي خُلِقَ منه للحياة الأبدية وما المعنى الّذي يجب أن يحمله الجسد بالنسبة لنا . إذا لم يكن جسدنا ثمينٌ بالنسبة إلى الله الّذي أحبَّه بشدَّةٍ وحنانٍ بقدر ما هي ثمينةٌ لديه نفسُنا الأبديَّة ، فإنَّ الله لم يكن ليشفيَ الجسدَ حينذاك أو أن يعتنيَ بحياته بعد قيامته من بين الأموات.